تقرير بحث السيد كمال الحيدري لحيدر اليعقوبي
142
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي )
الفقهية اتجاهاً أصولياً ، فانفصل علم الأصول عن علم الفقه في البحث والتصنيف ، وأخذ يتّسع ويثرى تدريجياً من خلال نمو الفكر الأصولي من ناحية ، وتبعاً لتوسع البحث الفقهي من ناحية أخرى ، لأنّ اتساع نطاق التطبيق الفقهي كان يلفت أنظار الممارسين إلى مشاكل جديدة ، فتوضع للمشاكل حلولها المناسبة ، وتتّخذ الحلول صورة العناصر المشتركة في علم الأصول . وكلّما بعد الفقيه عن عصر النصّ ، تعدّدت جوانب الغموض في فهم الحكم من مداركه الشرعية ، وتنوّعت الفجوات في عملية الاستنباط نتيجة للبعد الزمني ، فيحسّ أكثر فأكثر بالحاجة إلى تحديد قواعد عامّة يعالج بها جوانب الغموض ، ويملأ بها تلك الفجوات ، وبهذا كانت الحاجة إلى علم الأصول تاريخية ، بمعنى أنّها تشتدّ وتتأكّد كلما ابتعد الفقيه تاريخياً عن عصر النص ، وتراكمت الشكوك على عملية الاستنباط التي يمارسها . وعلى هذا الأساس يمكن أن نفسّر الفارق الزمني بين ازدهار علم الأصول في نطاق التفكير الفقهي السنّي وازدهاره في نطاق التفكير الفقهي الإمامي ، فإنّ التاريخ يشير إلى أنّ علم الأصول ترعرع وازدهر نسبياً في نطاق الفقه السنّي قبل ترعرعه وازدهاره في نطاق الفقه الإمامي ، وذلك لأنّ المذهب السني كان يزعم انتهاء عصر النصوص بوفاة النبي ( ع ) . فحين اجتاز الفكر السني القرن الثاني ، كان قد ابتعد عن عصر النصوص بمسافة زمنية كبيرة ، تخلق بطبيعتها الثغرات والفجوات ، وأمّا الإمامية فقد كانوا وقتئذٍ يعيشون عصر النصّ الشرعي ، لأنّ الإمام امتداد لوجود النبي ( ع ) ، فكانت المشاكل التي يعانيها فقهاء الإمامية في الاستنباط أقلّ بكثير إلى الدرجة التي لا تفسح المجال للإحساس بالحاجة الشديدة إلى وضع علم الأصول .